تكشف زيارة سريعة إلى أي مستودع من مستودعات السلع الدولية التابعة لسوق لندن عن مدى الشفافية والانضباط التي تتميز به هذه المستودعات، كما تكشف عدم اقتصار تعامل الشركات القائمة بأمر هذه المستودعات مع البنوك فقط، إنما مع عملاء آخرين من مختلف أنحاء العالم تضم في قائمتها عديدا من المصانع والشركات.
هذا التقرير يكشف بعضا من هذه الملامح، وقد أعد من واقع زيارة لي إلى مقر إحدى الشركات العاملة في سوق لندن للمعادن ولقاء اثنين من مديريها، فالأول يملك تاريخا طويلا في ميدان المصرفية الإسلامية يتجاوز 20 عاما، بدأت حينما كانت عمليات الصيرفة مجرد تعاملات بسيطة بالمرابحة وذلك في أحد بنوك ألمانيا، مرورا بتأسيسه شركة تحولت لاحقا إلى الشركة التي قمت بزيارتها بعد أن تم شراء جزء كبير من أسهمها من قبل مستثمرين آخرين.
وتحدث المديرون عن عدة نقاط مهمة من أبرزها أن الشركات التي تتعامل معها البنوك السعودية حاليا تعد موردا وليست وسيطا، حيث إن الشركة تتملك المعادن وتصدر شهادة تملك للمعادن باسمها، وقد تم الاطلاع على هذه الشهادات ومقارنة تاريخها بتاريخ عمليات بيع على بعض البنوك، وأضافوا أنه يتم التعامل بالمعادن في سوقين هما LME سوق لندن للمعادن وLPPE سوق لندن للبلاديوم والبلاتينيوم ويتبعان نظاما واحدا، كما أن سوق لندن للمعادن وحدها يتبعها أكثر من 450 مستودعا على مستوى العالم تتبع أنظمة السوق وتخضع لزيارة رقابية سنوية من قبل فريق التدقيق الخاص بالسوق وزيارة رقابية أخرى تقوم بها شركة خارجية ترفع تقاريرها لإدارة سوق لندن.
تتميز السوق بدقة في تحديد المعدن، حيث يتم الوزن الدقيق لكل قطعة تدخل المستودع ويتم تصنيف مجموعة من القطع وتمنح رقما من أجل التحديد وتباع بالرقم، كما ينص نظام السوق على فرز السلع المباعة للعملاء وأن يكون لدى المستودعات قوائم بأسماء العملاء وأرقام التخزين للسلع المباعة موضحا فيها الوزن والكمية. ومما أخبرني به المسؤولون عن الشركة أنه لا يمكن للمورد نظاما أن يبيع السلعة على أي جهة أخرى قبل تملكها وصدور شهادة تملك السلعة باسمه، وإلا سجلت عليه مخالفة من قبل إدارة التدقيق التابع لسوق لندن للمعادن. ومما تجدر الإشارة إليه أنه لا يقتصر تعامل الشركة مع البنوك والمصارف الإسلامية، إنما لديها أكثر من 250 عميلا في مختلف أنحاء العالم من ضمنهم عديد من المصانع والشركات التي تشتري المعدن لتستخدمه، كما لا يوجد معدن مخصص للعمليات الإسلامية، إنما يباع للبنوك من مجموع ما تملكه الشركة، التي تبيع منه لغير البنوك، وينبغي ملاحظة أنه في حالة ما إذا كان المعدن بلاديوم فإنه وبالنسبة للبنوك السعودية يتم بيعهم البضاعة الموجودة في الولايات المتحدة وذلك لسببين الأول ارتفاع الضرائب في لندن، خاصة على العمليات الدولية، فتحاول الشركة تفادي هذه الضرائب، إضافة إلى سهولة الأنظمة الأمريكية في إجراءات نقل الملكية.
انطلقنا بعد ذلك إلى سوق مقر لندن للمعادن وشاهدت هناك نماذج لأنواع المعادن التي تتداول في السوق وما يستخدم فيه كل معدن، ثم شاهدنا تقريرا كاملا عن طريقة عمل السوق وهيكلتها. وفي ختام اللقاء تم الاتفاق على زيارة ثلاثة مستودعات في مدينة سندرلاند شمال المملكة المتحدة وهي مستودعات تخضع لنظام سوق لندن للمعادن LME ولا تختلف المستودعات الأخرى خارج المملكة المتحدة في طريقة عملها عن هذه المستودعات.
من خلال زيارتي لمستودعات مدينة سندرلاند شدت انتباهي عدة نقاط، أولها الدقة في تحديد وزن الوحدة والترتيب الدقيق، أكثر الأشياء أهمية أنه يحمل كل قدر محدد من المعادن رقما خاصا به يسمىwarranty number ويمكن من خلاله معرفة مكان البضاعة بالتحديد، وقد أخذت أحد الأرقام وقمت بالمقارنة بين ما هو موجود في الحاسب الآلي وما يقومون برسمه وتوضيحه على أوراق خاصة، حيث تأكدت من ذلك عمليا.
يذكر أنه قام فريق الرقابة الشرعية في أحد البنوك المحلية بزيارة مستودعات السلع المحلية داخل المملكة واطلع الفريق على مخازن الشركة، والتقى المسؤولون هناك، حيث بينوا أنه يتم تزويد البنوك بأسعار الطن من أي معدن كانت كل يوم سبت حسب سعر السوق، ويكون السعر صالحا حتى نهاية الأسبوع، كما اطلع الفريق على ترتيب المعادن وتصنيفها داخل المخازن، حيث يفرز كل نوع على حدة ويمنح رقما معينا يستخدم هذا الرقم في شهادات تملك السلعة.

علِّق