تعقيبا على ما نشرته "الاقتصادية" الأسبوع الماضي
مختصون يقترحون حلولا لتسهيل العقبات أمام نشر فتاوى المصارف والمؤسسات المالية
عثمان ظهير من الرياض
تعقيبا على ما نشرته ''الاقتصادية'' الأسبوع الماضي من حوارات مع عديد من المتخصصين والممارسين والمستشارين في المصرفية الإسلامية الذين أيدوا نشر فتاوى الهيئات الشرعية للمؤسسات المالية، تحدث اثنان من خبراء التمويل والمصرفية الإسلامية عن معايير هذه الفتاوى والعقبات التي تعترضها واقترحوا عديدا من الحلول لتسهيل هذه العقبات.
بداية تحدث الدكتور محمد أنس الزرقا المستشار في شركة شورى للاستشارات الشرعية في الكويت والخبير في المصرفية الإسلامية بقوله: علنية الفتاوى أمر مطلوب شرعا بلا ريب، ويعني تيسير اطلاع كل واحد على نص الفتوى والأدلة الشرعية التي استندت إليها, وهذا التيسير واجب تجاه ذوي العلم الذين تمنعهم الشريعة من تقليد سواهم في حكم شرعي دون معرفة دليله.
وأضاف الزرقا: أما من يجوز لهم التقليد فاطلاعهم على تفصيل الفتوى ربما يكون مندوبا فقط وليس واجبا, لكن لصعوبة الفصل بين الفئتين - من لا يباح لهم التقليد ومن يباح لهم - ولأن تيسير اطلاع الجميع من خلال النشر, خاصة الإلكتروني, لا ينطوي على أي تكلفة إضافية، وفيه تعليم الناس أمور الحلال والحرام فإن القول بوجوب النشر وتيسير اطلاع كل واحد هو الصواب, وقال الزرقا إن تحقيق هذا الواجب الشرعي في العلنية، شأن كل واجب، تكتنفه بعض عقبات لا بد من تلافيها أو تخفيفها، وأهمها عقبتان: الأولى ربما يرد في الفتوى تفاصيل تجارية تتعلق بأطراف العقد أو العملية والمبالغ والكميات .. إلخ.
ومثل هذه التفاصيل يجب أن تستبعد قبل نشر الفتوى، إذ لا يتوقف عليها فهم نتيجة الفتوى وأدلتها الشرعية, والأخرى أن الوصول إلى الموقف الفقهي الصحيح من كثير من المنتجات المالية والعقود ربما يتطلب جهودا وأوقاتا كثيرة، أي ينطوي على تكلفة كبيرة تتحملها الجهة الرائدة التي بادرت إلى دراسة الموضوع والتوصل إلى فتوى بشأنه، أو صياغة المنتج المالي المبني على الفتوى.
ويمكن لمن يطلع على الفتوى التفصيلية ـ إن ارتضاها ـ أن يتبعها ويطبقها دون ان يتحمل أية تكلفة, وتابع: هذه هي عقبة (يسميها الاقتصاديون عقبة الراكب المجاني) وتتصل بحقوق الابتكار, وقال: في حضارتنا الإسلامية عبر التاريخ لم يطلب علماء الشريعة (مثلا علماء القرآن والحديث والفقهاء والأصوليون) أي حقوق ابتكار عن الأعمال العلمية العظيمة التي قدموها.
فمن هؤلاء العلماء من كان له مصدر رزق مستقل أو حرفة، ومنهم من كان يتلقى رزقا من الأوقاف أو من بيت المال.
وكان الحافز للأكثرين هو الثواب العظيم عند الله لمن ينشر علما نافعا.
واقترح الزرقا عديدا من الحلول المهمة التي لم يسبق أن طرحت في مثل هذا المجال من أهمها: الكتمان والسرية, وعلق على ذلك بقوله: وهذا مرفوض تماما لمخالفته واجب نشر العلوم الدينية، ولضرره العلمي إذ يلزمنا بتقليد الفتوى تقليدا أعمى بلا دليل أو رفضها بلا دليل، ولمخاطره العملية, إذ يحمي الفتاوى الضعيفة أو المتحيزة من رقابة العلماء وجمهور الأمة.
الحل الثاني الذي افترضه الزرقا هو: الاستمرار في العلنية والالتزام بالنشر كما هو الحال حتى الآن, وقال تعليقا على ذلك: وهذا مع أنه يحقق مصلحة اجتماعية فإنه ربما يؤدي إلى تثبيط وتيرة الابتكار إذا كان الدافع للابتكار تجاريا, ورأى أن من الحلول الممكنة استحداث (براءات اختراع للمنتجات المالية الإسلامية) على غرار البراءات الصناعية, لكنه لم يؤيد ذلك أيضا نظرا لما قد تواجهه من عقبات فنية كبيرة (تحديد ما يعد ابتكارا جديرا بالحماية، ثم كيفية فرض حماية الابتكار في بلاد مختلفة التشريعات... إلخ), فضلا عن أنه يثبط الاستفادة من الابتكارات ويحد من انتشارها, ورأى الزرقا أن أفضل الحلول هو استحداث نظام جوائز مالية وأدبية لأحسن الابتكارات، يتم تمويلها من الصناعة المالية ومن الدول ذات الاهتمام, مع المحافظة على العلنية والنشر سواء وجدت مثل هذه الجوائز أم لم توجد.
وقال الزرقا: هذا أراه افضل الحلول، وهو لا يثبط الاستفادة من الابتكارات ولا يحد من انتشارها ـ خلافا لبراءات الاختراع. واقترح الاقتصادي المشهور جوزيف ستيجلـيتز مثل هذا البديل في شأن صناعة الأدوية قبل بضع سنوات .
من جانبه, أو ضح الدكتور سامي السويلم الخبير في التمويل والمصرفية الإسلامية أن نشر الفتاوى ضروري لعدد من الأسباب منها نشر الوعي والثقافة المالية اللازمة لأعمال الصيرفة والتمويل الإسلامي, إضافة إلى الشفافية والوضوح في أعمال الهيئات الشرعية ليكون جميع الأطراف (البنك، العميل، المراقب الشرعي) على بينة ووضوح من الشروط والضوابط الواجب اتباعها, كما أنها تعطي العلماء وطلاب العلم من خارج الهيئات الشرعية الفرصة لمراجعة فتاوى الهيئات والتعقيب عليها والاستدراك، وهو أمر ضروري لضمان سلامة مسيرة الهيئات الشرعية وتسديدها, إضافة إلى إتاحة الفرصة لتلاقي فتاوى الهيئات المختلفة على أسس مشتركة والسعي نحو توحيد الحد الأدنى من الفتاوى الشرعية في مجال الأعمال المصرفية والمالية، وهو ما يضمن نمو الصناعة واستقرارها.
وقال السويلم: كي تحقق الفتاوى هذه الأهداف فإنها يجب أن تستوفي عدداً من المعايير، ومنها أولا أن تكتب بلغة واضحة وسلسة ومعاصرة يدركها الجمهور المثقف خاصة في مجال المال والأعمال, ثانيا: أن تبين المعاملة محل الحكم بوضوح، وتبين ما هو مقصود الأطراف منها, ولماذا يحتاجون إليها, وكيف تحقق المعاملة هذه الأهداف, كما أن من المعايير المهمة ـ والحديث للدكتور السويلم ـ أن يكون الحكم مؤيداً بالدليل والتعليل والحكمة، ولا تكون الفتوى مجرد أحكام جافة خالية من الروح ومن المعاني التي تظهر كمال الشريعة الإسلامية.
وقد وصف الله تعالى رسالة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنه ''يعلمهم الكتاب والحكمة'', فالحكمة مقترنة بالأحكام والفرائض التي هي كتاب الله، وإذا كان هذا في القرآن العظيم وسنة نبيه ـ عليه السلام ـ فغيرهما من باب أولى, وختاما فمن المعايير المهمة التي أشار إليها السويلم أن تبين الفتوى إذا ما كانت خاصة بحالة طارئة استثنائية، أو هي عامة مستقرة, فكثير من المعاملات في عالم المال اليوم يتعذر تغييرها بين عشية وضحاها، فتتطلب معالجتها التدرج والتروي، ولذلك ربما تكون الفتوى ذات صفة مؤقتة واستثنائية تناسب الوضع القائم، لكن لا يصح القياس عليها أو اشتقاق منتجات وصيغ أخرى منها.
وعدم التمييز بين الطارئ والمستقر، بين الاستثنائي والعام، كان من الأسباب الجوهرية في ظهور عدد من المنتجات التي رفضتها المجامع الفقهية وأصبح من الصعب على بعض الهيئات التراجع عنها.
وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يفتي بعض الصحابة ويقول: ولا تحل لغيرك، ونحو ذلك، وقال: هذا من فقه الفتوى وكمالها.
علِّق