البنوك الإسلامية تحتاج إلى منتجات حقيقية وليست ربوية مستنسخة



الشيخ القاسمي نائب رئيس مجمع الفقه الإسلامي في الهند:
البنوك الإسلامية تحتاج إلى منتجات حقيقية وليست ربوية مستنسخة

الشيخ بدر الحسن القاسمي
حوار: عبد الله زايد
قال الشيخ بدر الحسن القاسمي نائب رئيس مجمع الفقه الإسلامي في الهند، وعضو الهيئة الشرعية للتصنيف والرقابة، إن تجربة البنوك الإسلامية ناجحة, مشيرا إلى أن أصول المؤسسات المالية بلغت أكثر من 800 مليار دولار. وأوضح في حوار مع «الاقتصادية» أنه رغم ما لدى المصرفية الإسلامية من مقومات جيدة ومبادئ وأسس متينة فهي تحتاج إلى إعداد كوادر ومنتجات إسلامية حقيقية وليس منتجات مستنسخة، داعيا إلى تعديل أسلوب التمويل العقاري والابتعاد عن عملية التورق المنظم واتباع الشفافية والالتزام بالقواعد المصرفية في إطار مبادئ العمل المصرفي الإسلامي.

هناك من يقول إن أسواق المال في حاجة إلى ضوابط الاقتصاد الإسلامي، فما هذه الضوابط التي تميز بها الاقتصاد الإسلامي عما سواه من الأنظمة المالية الأخرى؟

إن الاقتصاد الإسلامي يختلف في منطلقاته عن الأنظمة الاقتصادية الأخرى, فله ضوابط عقدية وأخلاقية، وله مرجعية إلى النصوص الشرعية، فالربحية وحدها ليست أساس التعامل المالي في الاقتصاد الإسلامي, لأنه مقيد بضوابط الحلال والحرام، ثم بمبدأ عدم الإضرار بالآخرين. الاقتصاد الإسلامي يفرض على الناس ضوابط من بينها: الابتعاد عن المقامرات مهما كانت ذات أرباح وفوائد, التجنب الكامل للربا والأنشطة والممارسات المبنية على الفوائد, عدم الدخول في العقود الوهمية لجلب المنافع وجني الأرباح بطرق غير مشروعة, والابتعاد عن بيع الدين بالدين، وإن مثل هذه الضوابط تضمن حماية الأفراد من الإفلاس، وحماية المؤسسات المالية من الانهيار. وبعد تجربة الأزمة المالية الراهنة أصبح العالم كله في حاجة إلى الالتزام بمثل هذه الضوابط.

يرزح كثيرون تحت طائلة القروض، هل هذا نتاج لثقافة الاقتراض التي نمتها وشجعتها البنوك؟ أم تكمن المشكلة في إدارة القرض نفسه؟

إن تقديم القرض الحسن لمن يحتاج إليه أمر حث عليه الإسلام, لكنه لا يرى إدارة عجلة الحياة كلها على الديون أو القروض, وإن سبب معاناة الناس اليوم هي ثقافة الاقتراض, وإن الإسلام لا يقر بأية فائدة للمقرض, والقرض الحسن من أدوات التمويل التبرعية وغير الملزمة.

أما الاقتصاد الوضعي فهو قائم على الديون، والديون بفائدة مدمرة للبلاد والعباد كما هو مشاهد الآن من خلال الأزمة المالية المعاصرة وانهيار بنوك تلو أخرى. إن الديون تزيد عدد الممولين والآخذين لكنها تدخل الآخذين في دوامة الفوائد المحرمة والممولين في جشع دائم ونزعة «هل من مزيد» الجهنمية.

كما تعلمون فإن هناك من يرفض التدخل الحكومي في النشاط الاقتصادي، وهناك فريق أيد هذا التدخل بالكامل، وفريق ثالث وقف في المنتصف يرى أن على الحكومات أن تتدخل إذا اقتضت الحاجة والمصلحة فقط .. فما الرؤية من وجهة نظر الاقتصاد الإسلامي؟

إن الحكومات لها دور كبير في ضبط التعامل في الأسواق، والاقتصاد الإسلامي وإن كان يشجع حرية التعامل ولا يقيد الأنشطة التجارية الحرة, لكن الحسبة أو الاحتساب من واجبات الحكومة, فعليها أن تمنع الأنشطة والممارسات التجارية المحرمة, كما أن على الحكومة أن تراقب التوازن بين العرض والطلب في السوق وتمنع الاحتكار, وتتدخل إذا شعرت بأن هناك تلاعبا في التعامل أو مؤشرات لانهيار الاقتصاد ومخاوف عن وقوع البلاد والعباد في مسلسل الديون والفوائد, وأن تضع حدا للممارسات السلبية, لكن ليس لها أن تحدث العراقيل في طريق نجاح الصيرفة الإسلامية أو تُقيّد حرية المؤسسات المالية الإسلامية.

فلا شك أن دور الدولة المسلمة في بناء السلوك الاقتصادي الإسلامي والمحافظة عليه كبير, حيث إن الضوابط الأخلاقية وحدها غير كافية لضبط الأمور, بل لا بد من رادع الاحتساب حتى لا يسود الغش بين المتعاملين, ولا يكون التلاعب في العقود والممارسات التجارية ولا يكون الاحتكار المتسبب في إضرار الناس.

فمع أن الأصل في الإسلام هو الحرية وترك الأسعار وفق العرض والطلب في الظروف الاعتيادية لكن في الحالات الاستثنائية يجب حسن التدبير من الحكومة, حيث يقول المقريزي: «إن أسباب ارتفاع الأسعار راجع إلى سوء تدبير الحكام وغفلتهم عن النظر في مصالح العباد».

ما منهج الاقتصاد الإسلامي في تجنب الوقوع في الأزمات الاقتصادية؟

إن منهج الاقتصاد الإسلامي في تجنب الأزمات الاقتصادية يتلخص في: ترك التعامل الربوي نهائيا, عدم الخوض في المقامرات, وحرمة بيع ما لا يملكه الإنسان, بناء التعامل التجاري على أسس الربح والخسارة, وعدم جعل الديون وسيلة لكسب المال, إلى جانب الالتزام بأسس أخلاقية مثل الصدق والأمانة وترك الغش والخيانة.

نظرية الحرية الاقتصادية الكاملة انهارت مع أولى بوادر الأزمة المالية العالمية، لكن الغريب أننا نسمع الآن أصواتا تتحدث عن الحرية الاقتصادية في الشريعة الإسلامية .. فما تعليقكم؟

الإسلام يفرق بين ما هو مباح وما هو غير مباح من التعامل التجاري أو الممارسات الاقتصادية, فالحرية الاقتصادية لا يمكن أن تكون مطلقة في الشريعة الإسلامية, بل إنها منضبطة بالقواعد ولها حدود يجب الالتزام بها. فحينما يعطي الإسلام التاجر الحرية في عقد الشراء والبيع وتسعيرة البضائع وامتلاك ما يكسبه من مال من غير تدخل, يمنع الإسلام الجشع وخلق الأزمات في السوق سواء كان بالاحتكار أو برفع أسعار البضائع إلى حد يضر مصالح عامة الناس, فالحرية في الاقتصاد الإسلامي مقننة ومقيدة بضوابط لا يصح تجاوزها.

الاقتصاد الرأسمالي يشجع على الإنفاق الاستهلاكي من خلال الترويج للطلب وجعل التسوق متعة، وعلى سبيل المثال، يقدر خبراء أن ثلثي الاقتصاد الأمريكي مبني على الإنفاق، بينما الاقتصاد الإسلامي يشجع العكس تماما، ويدعو إلى الضغط على الطلب بترشيد الاستهلاك .. فما الحكمة من وراء هذا التحفظ على الإنفاق؟

الإنسان مسؤول في الإسلام عما يكسبه وفيم ينفقه, فلا بد من ترشيد الاستهلاك مع عدم التضييق على الناس فيما هو مباح.

إن التمادي في الاستهلاك خارج حدود الحاجيات والضروريات والتحسينيات يدخل في حدود الإسراف ويفتح أمام الإنسان طرق الانغماس في الملذات والشهوات.

الإنسان المسلم يعيش لأهداف سامية ونبيلة، وحياته على هذا الكوكب الأرضي ليست دائمة, فهو لا يعيش ليكسب فقط, ولا يكسب ليأكل ويتمتع فقط، وحياته ليست مقتصرة على المطبخ والمرحاض, لذا يفرض الإسلام بعض القيود فيسمح بالإنفاق فيما يحتاج إليه ويمنع الإسراف ليبقى الإنسان قادرا على أداء دوره في هذا الكون.

هناك من يقول إن المصرفية الإسلامية نظريات وبحوث في الكتب فقط، وليس لها وجود فعلي على أرض الواقع، كيف تنظرون إلى واقع المصرفية الإسلامية ومستقبلها؟

إن تجربة البنوك الإسلامية كانت ناجحة حتى بلغت أصول المؤسسات المالية الإسلامية نحو 800 مليار، فالعملية لا تقتصر على إعداد الكتب والبحوث فقط. لكن الصيرفة الإسلامية تحتاج إلى جهود كبيرة وكثيرة وحثيثة، فرغم ما لديها من مقومات جيدة ومبادئ وأسس متينة, فهي تحتاج إلى إعداد كوادر أولا، وإيجاد منتجات إسلامية حقيقية وليس منتجات ربوية مستنسخة وتعديل أسلوب التمويل العقاري والابتعاد عن عملية «التورق المنظم» المحرمة, واتباع الشفافية والالتزام بالقواعد المصرفية في إطار مبادئ العمل المصرفي الإسلامي.

هل فقه المعاملات هو الجانب التطبيقي لما يعرف اليوم بالاقتصاد الإسلامي؟ وكيف تطور هذا المفهوم؟

القضايا الاقتصادية ذات صلة بفقه المعاملات, لكن الاقتصاد الإسلامي لا يقتصر على العقود والمعاملات المالية فقط, بل يدخل فيه نظام الخراج والضرائب وميزانية الدولة، إلى جانب المبادئ والأصول التي يبنى عليها نظام الاقتصاد في الإسلام, فالاقتصاد الإسلامي مفهوم عام شامل, وفقه المعاملات جزء منه.

من الصعوبات التي تواجه المصرفية الإسلامية تدريب الموظفين وتأهيلهم للعمل في هذا النوع من العمل المصرفي, حيث يتطلب إعداد الموظف من الناحية الشرعية، إضافة إلى التدريب على العمل المصرفي نفسه، بينما تدريب الموظف للعمل في المصارف التقليدية الأخرى أسهل بكثير .. هل مثل هذا الطرح صحيح؟

لا شك أن المشكلة قائمة سواء كان في مجال التأهيل الشرعي أو التأهيل الوظيفي، إن لقسم البحوث والدراسات في بنك التنمية وكذلك مؤسسة دلة البركة جهودا مشكورة, لكن الموضوع يحتاج إلى معاهد متخصصة لإعداد الكوادر، إن مناهج الكليات الشرعية الحالية ليست كافية للتأهيل الشرعي في القضايا المالية المعاصرة, فهناك حاجة إلى تكثيف الجهد, كذلك نظام التدريب أيضا يجب أن يكون أكثر تطورا.

إن موضوع الرقابة الشرعية كان موضع اهتمام رائد الصيرفة الإسلامية الشيخ صالح كامل ــ حفظه الله ـ أتمنى أن تنال مكانتها, لأن ضعف الرقابة الشرعية يفقد الثقة من ناحية ويؤدي إلى تكرار الخطأ في المؤسسات المالية الإسلامية, فإن تطور الصيرفة الإسلامية منوط أولا بالفقهاء المؤهلين الذين يملكون الشجاعة لقول الحق وبالكادر المؤهل ثانيا لإدارة الأمور.

ذكرت أنباء صحافية أن الحكومة الهندية تخطط للقيام بإصلاحات مصرفية داخل نظامها المالي تشمل عددا من المؤسسات المالية الكبرى، بهدف تقديم خدمات التمويل الإسلامي، في تقديركم هل جاءت هذه الخطوة بسبب ضغط المسلمين الهنود ورفضهم التعامل مع البرامج الربوية، أم أنها رغبة لاستقطاب الاستثمارات من دول شرق أوسطية؟ أم أن الحكومة الهندية رغبت في أن تحجز لها مقعدا في قافلة نجاح الاقتصاد الإسلامي - كما صرح بذلك نائب رئيس مجلس الشيوخ الهندي؟

الحكومة الهندية لم تسمح إلى الآن بإنشاء البنوك الإسلامية أو المؤسسات المالية الإسلامية, لكنها ترغب بشدة في استقطاب الاستثمار ولو كان عن طريق التمويل الإسلامي.

فما جاء على لسان نائب رئيس مجلس الشيوخ هو مجرد إبداء الرغبة, وهذا مؤشر إيجابي، ونظرا إلى أن الهند حاليا تشهد نموا اقتصاديا جيدا, وهي دولة ناهضة اقتصاديا تتهافت عليها الدول والشركات العالمية, فيجب على المسلمين أيضا اغتنام الفرصة والمحاولة الجادة لإنشاء مؤسسات مالية إسلامية فاعلة يديرها رجال ذوو كفاءات عالية تحت إشراف فقهاء من ذوي النزاهة والإخلاص.

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • رقم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق



دور أسس الاقتصاد الإسلامي

ما دور أسس الاقتصاد الإسلامي في الوقاية من الأزمات المالية والاقتصادية ؟