مختصون: المشتقات المالية الإسلامية.. تركيز على المظهر دون الجوهر
عثمان ظهير من الرياض
على الرغم من النمو المطرد للمؤسسات المالية الإسلامية، فإن منتجات التمويل الإسلامي وبالتحديد ما يتعلق بإدارة المخاطر تعاني قصورا لا يتوافق وحجم المصرفية الإسلامية، ولذلك ظل تطوير المنتجات المالية الإسلامية هاجسا ومهمة لها أولوية كبيرة عند معاهد البحث العلمي لتحقيق منتجات ترسم المستقبل الصحيح للمصرفية الإسلامية، في الأسبوع الماضي ناقشنا منتجات الخزانة وما تعانيه من ضعف وحاجتها إلى تطوير وتعديل، في هذا الأسبوع يستمر الحديث حول تلك المنتجات ولماذا لم تولها مراكز التدريب اهتماما كبيرا وهل حققت المؤتمرات والندوات حول المصارف الإسلامية وأضافت للأمر شيئا؟ بداية كان الحديث حول أهم البدائل الشرعية، حيث قال الدكتور سامر مظهر قنطقجي رئيس الجامعة الاسكندينافية: إنه يجب على إدارات الخزانة أن تقدم صناديق استثمارية متنوعة إلى عملائها وزبائنها، فعندما يودع العميل ماله في المصرف يجد أمامه عديداً من المنتجات المختلفة المخاطر والعائد، فيختار ما يناسب طبيعته الاستثمارية وأهدافه، ولا بأس أن يشارك كبار المستثمرين منهم في إدارة هذه الصناديق ولو بشكل استشاري، وأضاف إن هذه الصناديق تخفف العبء عن مدير الخزانة وعن إدارة المصرف، لأنها تستثمر خارج الميزانية Off Balance Sheet، ولهذا مزاياه الإيجابية، حيث يكون كل صندوق بمثابة مصرف صغير منبثق عن المصرف الإسلامي الكبير (وسميناه كذلك لأن فيه مستثمرين ومودعين تجمعهم صيغة وهدف محدد). وحول خدمات الصرف والمتاجرة به في الأسواق الآجلة والفورية يرى الدكتور سامر أن فيه مخالفات شرعية كبيرة، وأن البديل هو ببيع العملات المحلية التي يرغب في التخلي عن مخاطرها واقتناء عملات دولية يثق بها لشركات صرافة تتولى هي بدورها تحمل جزء من المخاطر السوقية، ثم ماذا لو أسس المصرف شركة صرافة تشتري في نهاية اليوم كل ما لدى المصرف من عملات محلية مقابل عملات يراها أكثر أمانا وتماشيا مع فلسفته الائتمانية والاستثمارية!
الدكتور مستعين عبد الحميد المستشار في المصرفية الإسلامية أضاف إلى ما سبق تتمثل مهمة إدارة الخزانة في البنك في إدارة سيولة البنك في البورصات والأسواق الدولية. سواء كانت بالعملة الوطنية أو بالعملات الأجنبية الرئيسة الأخرى. وذلك في مجالين مهمين جدا: الأول: التبادل الأجنبي في العملات بغرض إدارة سيولة البنك وإدارة مخاطره المرتبطة بتبادل العملات الأجنبية، والآخر: حماية رأسمال البنك من خلال الاستثمار السليم والآمن. ففي المجال الأول وهو التبادل الأجنبي: هناك أهمية كبيرة للتعامل في النقد الأجنبي بصورة سريعة وبمهارة فنية وبدرجة من الاحترافية عالية، وذلك في ظل عدم استقرار أسعار صرف العملات، إذ إن هذه الأسعار تتغير بسرعة تؤثر سلباً أو إيجاباً على من لديهم أرصدة بعملة معينة، أو التزامات بهذه العملة. كما تنعكس الأحداث الكبيرة كالحروب أو الإجراءات الاقتصادية والمالية التي تتخذها الدول ذات الثقل الاقتصادي في العالم على أسعار العملات بصورة سريعة، ويتابع مستعين: عدم التعامل السريع والاحترافي مع هذه المتغيرات يعرض البنوك والمؤسسات المالية والأفراد المتعاملين معها إلى مخاطر كبيرة تؤثر بشكل مباشر في ممتلكاتهم النقدية وفي استثماراتهم، كما أن عدم اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب يعرض المؤسسات والأفراد إلى خسائر كبيرة، ومن ثم فإن تذبذب أسعار صرف العملات، فيما بينها يشجع المؤسسات والأفراد المتعاملين في هذه الأسواق على اتخاذ مواقف يرونها تحقق أكبر مصلحة لهم. ومعلوم أن البنوك المحلية تقوم بشراء العملات الأجنبية وإيداعها في حساباتها لدى البنوك المراسلة لمواجهة مبيعاتها للعملاء الذين يقومون بدورهم بتسديد قيمة البضاعة المستوردة أو إجراء حوالاتهم الشخصية. ونتيجة لهذه الأعمال أو لأغراض المضاربة (أحياناً) يضطر البنك بأن يأخذ أنواعا من المراكز، إما المركز الطويل (مركز المشتري عندما يكون مجموع مشتريات البنك من عملة معينة أكبر من مجموع مبيعاته من العملة نفسها، وهو ما تسميه البنوك المحلية بالمبيعات الاستباقية (شراء كل عملة مقدماً قبل بيعها) أو اتخاذ المركز القصير (مركز البائع وهو الحالة العكسية للوضع السابق، حيث يقوم البنك بالاتفاق على بيع مبالغ من عملة معينة غير مملوكة له، على أن يقوم بتغطيتها لاحقا من السوق بسعر أفضل عند الشراء). أو اتخاذ المركز المتوازن عندما تكون المبالغ المبيعة والمشتراة متساوية، وحول مجال الاستثمار يقول مستعين تعد إدارة الخزانة في البنك أهم مركز من مراكز الربحية الفاعلة وهدفها زيادة أرباح البنك في إطار الالتزام بالحدود الائتمانية المعتمدة لكل قطر من أقطار العالم التي تسمح الدولة للبنوك بالتعامل معها، وكذلك كل شركة ومؤسسة وبنك، وذلك على المستويين المحلي والدولي، وفي حدود إدارة المخاطر الناتجة من ذلك التعامل، وكذلك في حدود الأسعار الملائمة للتحويل فيما يخص العمليات بين البنوك. وترتبط الاستثمارات في الخزانة بصفة أساسية بعمليات البيع الآجل للسلع والمعادن في السوق الدولية بغرض إدارة سيولة البنك قصيرة الأجل، وذلك فضلا عن تطوير عمليات ذات صيغ خاصة لتمويل شراء أصول معينة لعملاء البنك خلال فترة متوسطة إلى طويلة الأجل، مثل الوكالة الدولية والسلم والاستصناع والإجارة الدولية. وتمارس البنوك والمؤسسات المالية (خاصة التي تعمل متوافقة مع الشريعة) عملها في المجالين المذكورين ضمن إطار عام يحكم ممارسات هذه المؤسسات وهو: أن تكون جميع مشترياتها من النقد الأجنبي لمقابلة مبيعاتها لعملائها وليس بغرض الحصول على الأرباح، أو أن تكون تلك المشتريات من النقد الأجنبي بغرض الاستثمار في سوق البضائع والمعادن. والخلاصة أن التحدي الذي تواجهه إدارة السيولة في الخزانة هو موقف حساس ودقيق يتمثل في إقحام أرصدة البنك الخارجية بين ثلاثة عوامل جوهرية: أولا: توفير أرصدة كافية من العملات في حسابات البنك مع المراسلين لمقابلة السحوبات كما تظهر أو تبدو (أي الأرصدة الدفترية). ثانيا: إدارة الأرصدة على نحو تطمئن فيه الإدارة إلى أنها لا تترك مبالغ فائضة قد تعرضها لمستويات مخاطر غير مقبولة. وأخيرا: إدارة وضع تبادل وفق مؤشرات مجازة أو مسموح بها لتعظيم الإيرادات. وهذه العوامل تتحكم فيها سياسة البنك التي ترسمها الإدارة العليا والأنظمة الآلية المتاحة للبنك. من جانبه أوضح نضال الغطيس الخبير في المصرفية الإسلامية أن عمليات الخزانة في البنك تنصب في ثلاث خانات رئيسة (المشتقات، وأسعار الصرف، وعمليات السوق المفتوح)، وكل هذه الثلاث في الأساس في المعاملات الدولية، قائمة على ما يخالف الشريعة فإدارة الخزانة جزء من المفهوم الكلي الذي يقوم عليه المصرف، فإذا كان العمل على الأسس الربوية والتي هي قائمة على الفائدة أخذا وإعطاء، فإن لهذا النوع من التعامل مشكلاته الخاصة به، فهي تبع للفكر الذي يحتذيه البنك والسياسة التي ينتهجها، ففي الفكر الربوي الفائدة لا توجد فيها أي غضاضة، ومن هنا تولد مشكلات إدارة الخزانة في المصارف الإسلامية، وأضاف الغطيس تعد الخزانة هي العصب المحرك للمصرف، فمنها وإليها يتحرك النقد، فالتعامل بالعملات الدولية وما ينتج عنه من مخاطر أسعار الصرف، والتعامل بالأسهم والسندات وما ينتج عنه من مخاطر تقلبات أسعار، كل ذلك يؤثر في إدارة الخزانة، فهذا يولد ما يعرف بإدارة المخاطر، والمخاطر ناتجة في الأساس عن التعامل بالربا/ الفائدة والدخول في معاملات هي أقرب إلى المقامرة في إجمالها منها إلى التجارة السوية. فهناك أصل المعضلة التي يواجهها المصرف الإسلامي في تعاملات الخزانة، فإما أن نغير أو نتغير، نغير المبادئ الإسلامية لتتوافق مع النظام الربوي القائم، أو تتغير النظم القائمة لتتوافق مع الشريعة! فما نتج إيجاد صورة تقريبية ركزت على الشكل ونسيت الجوهر، كان هذا في كثير من صيغ التمويل والمنتجات، ولكن عندما نأتي للخزانة، فيتسع الفتق على الراتق، فلا يوجد مجال، لبعد المسافة بين الطرفين (الفقهاء وأصحاب القرار)، فوقف بعض فقهاء الصنعة مكتوفي الأيدي، حيث لا مجال إلا التعامل مع إشكالين الأول هو الربا والثاني هو القمار والغرر، الذي تقوم عليه في الأساس كل تعاملات الخزانة، وقال الغطيس: المتابع للمؤتمرات التي عقدت في الفترة الماضية في المصرفية الإسلامية، لم تستطع الخروج بحلول أو بدائل تتفق مع الشريعة فيما يتعلق بإشكالات الخزانة، وفي رأيي، لن تستطيع، ليس لعجز الشريعة وإنما لأن المشكلة ليست مشكلتنا في الأساس، فبدلا من البحث عن مخرج، لماذا نرضى بأن ندخل «جحر الضب» الربوي الموبوء إبتداء، ففضاء التعاملات الجائزة يتسع لكل الاحتياجات التي يسعى لها البنك، فبدلا من البحث عن حلول «احتيالية» تزيد تجربة المصرفية ضعفا وتعقيدا وتنفيرا. فلنبحث عن بدائل إنمائية. وحتى لا يكون الكلام نظرياً.. فبدلا من الحديث عن مخاطر الصرف، فلماذا لا نتحدث عن الدفع نحو توحيد العملة، والاستناد إلى قاعدة الذهب والفضة في التقييم، وبدلا من الحديث عن تجنب المخاطر وإحالتها إلى الآخرين والمتاجرة في المخاطر من خلال المشتقات، فلنسع إلى إعداد دراسات جدوى للمشاريع الاستثمارية قائمة على أسس محكمة وسليمة، وهذا من «أخذ الكتاب بقوة»، بعد التوكل على الله في الضرب في الأرض، فتكون مشاريعنا التي نستثمر فيها أموال الأمة، مبنية على دراسات محكمة لا اعتباطية، واستشرافية لا آنية، تنموية لا فردية، ولا تكون مقصورة على الأغنياء منا، ولا تميل مشاريعنا حيث مالت الدفة الاقتصادية التي تحركها مؤسسات نظامها ربوي «فمع الخيل يا شقرا»، وتوجهها خادم لمصالحها الضيقة. فإلباس المقامرات اللبوس الإسلامي تحت ما يسمى بـ «العربون» و»السلم» هو احتيال وتلفيق وتعميق للمشكلة. فتكون كالمنافق يظهر إيمانه وصلاحه ولكن جوهره فاسد. فكيف نتاجر بما لا نملك ونؤجل البدلين! ونطلب لهذا تأصيلا شرعيا! وأضاف الغطيس هناك مواد تدرس فيها الخزانة وإدارة المخاطر بعد وضع المكياج الإسلامي عليها، ولكنها تبقى «متبرجة» ومثيرة للفتنة مهما تسترت، وتأتي في باب التوصيف والترقيع لواقع الحال، ولا تمس الجوهر، لتردد وإحجام الفقهاء عن حسم الأمور، فجاء تدريس المواد تبعا لذالك. قصور في القدرة على تغير واقع الحال، يقابله غثائية وضبابية، فاستحكمت حلقاتها حتى اشتدت بخناقها على الأهداف العليا للاقتصاد الإسلامي. ففي نهاية المطاف هي إرادة، إرادة التغير على كل المستويات، تبدأ لمن بيده الوازع مرورا بمسؤولي البنوك المركزية والفقهاء إلى مديري المصارف، هؤلاء هم الذين سيحددون توجه المصرفية وخصوصا في موضوع إدارة الخزانة وما يتبعه من مناهج التدريس والتدريب.