ما دور أسس الاقتصاد الإسلامي في الوقاية من الأزمات المالية والاق

أقول: الحل والبديل هو الإسلام .. يكمن في النظام الاقتصادي الإسلامي .. لا اشتراكية شرقية ولا رأسمالية غربية .. وإنما هو الإسلام .. ولا شيء غير الإسلام.
كيف .. ولماذا؟
أقول: لأن الإسلام هو دين الله تعالى .. الذي يتصف بالكمال المطلق في جميع جوانبه وشرائعه .. وكماله مستمد من كمال الله تعالى العليم القدير الذي شرع هذا الدين لعباده .. وفرضه عليهم .. وما يصدر عن صفات الكمال فهو كامل لا يجوز افتراض النقص أو الخطأ فيه .. وإنما النقص والقصور يُفترض فيما يصدر عن قاصر ضعيف جاهل .. من ذوي العلم المحدود .. وهذه الصفات كلها متوفرة في الإنسان .. وهو متلبس بها .. وهي من خِلقته .. ومما فُطر عليه، لازمة له على مدار حياته، إلا بحبل من الله وسُلطان منه، كما قال تعالى: وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً الإسراء:85.
فالله تعالى الخالق هو الأعلم بمصلحة الإنسان المخلوق من نفسه بنفسه .. كما قال تعالى: وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ البقرة:216.
ولا شك أن شرع الذي يعلم أكمل وأسلم وأحكم .. من شرع الذي لا يعلم .. والذي يجعل من البشرية حقل تجارب لشرائعه وقوانينه القاصرة الخاطئة .. التي يغيرها بين الفينة والأخرى .. كلما عنى له ذلك .. وكلما اكتشف خطأ وقصور ما كان قد شرَّعه .. أو ظن أن في هذا التغيير والتبديل مصلحة له .. فلا يعرف الثبات ولا القرار .. لأنه عاجز وقاصر عن إدراك الكمال أو الاقتراب منه .. فهو ـ من دون الله تعالى ـ يتخبط .. كالذي يتخبطه الشيطان من المس.
فالله تعالى الذي خلقنا .. ورزقنا بالمال .. ومَنَّ علينا بالنعم والخيرات التي لا تُحصى .. وبكل ما تحتاجه البشرية من نعم على هذه الأرض .. لم يخلقنا ـ سبحانه ـ عبثاً .. من غير شريعة توجهنا وترشدنا .. وتبين ما لنا وما علينا .. كيف نتعامل مع هذا الرزق والمال .. كسباً وإنفاقاً .. وما يجوز لنا منه وما لا يجوز .. وما هو حرام وما هو حلال .. وهذا أمر قد دل عليه النقل والعقل؛ إذ أن من يخلق .. هو وحده الذي له الأمر والحكم فيما خلق .. ولا يجوز أن يكون غير ذلك، كما قال تعالى: أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الأعراف:54. وقال تعالى: أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ النحل:17. هل يستويان .. فيرد الحكم والتشريع لمن لا يخلق شيئاً .. ولا هو قادر على أن يخلق شيئاً .. كما يُرد إلى من يخلق .. وقادر على أن يخلق .. وقد خلق السموات والأرض .. فهل يستويان مثلاً  أَفَلا تَذَكَّرُونَ ؟!
فنظرة الإسلام للمال أنه ملك لله تعالى وحده .. فهو الذي خلق المال .. وبالتالي فهو المالك الحقيقي له .. والإنسان مستخلف على هذا المال ثم تاركه لمن هم وراءه من بعده ـ شاء أم أبى ـ وهو مطالب في حياته بأن يتصرف بالمال ـ كسباً وإنفاقاً ـ وفق مشيئة وإرادة وشرع مالكه الحقيقي .. ألا وهو الله تعالى .. فإن لم يفعل يكون كمن بغى على حق ليس له .. ولو عُوقِب في الدنيا والآخرة على بغيه وظلمه وعدوانه .. فلا يلومَن إلا نفسه.
كما قال تعالى: ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ يونس:14. هل تعملون ـ فيما استخلفكم الله تعالى عليه ـ وفق شرع الله تعالى ومنهجه .. أم وفق شرع الطاغوت وأهوائه .. وكل شرع غير شرع الله تعالى فهو من شرع الطاغوت وأهوائه؟
وقال تعالى: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ الحديد:7. والمُستخلف هو المُستأمن على ما استُخلف عليه .. ثم سرعان ما يودعه ويتركه .. عندما تنتهي مهمة استخلافه بالموت.
وفي الحديث، فقد صح عن النبي  أنه قال:" لن تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربعِ خصالٍ ـ منها ـ: وعن ماله من أين اكتسبَه، وفيمَ أنفقه ".
ومن هنا يتعين على الإنسان المستخلف على المال وإدارته .. أن يتعرف على حكم وشرع مالك المال وخالقه .. ما الذي أباحه وأحله وما الذي حرمه .. وما هو المسموح به وما هو الممنوع .. ثم كيف يدير هذه الأموال .. وكيف يتصرف بها .. وأين يصرفها.
وفيما يتعلق بشؤون المال والاقتصاد .. فقد أحلَّ الله تعالى الطيبات .. وهي الأصل .. وما أكثرها .. لو اقتنع الإنسان بها .. وحرَّم الخبائث .. والظلم .. وأكل أموال الناس بالباطل .. ومن الخبائث والظلم، والعدوان، وأكل أموال الناس بالباطل: الربا .. أساس بلاء الأنظمة الاقتصادية التي لا تنضبط بضوابط شرع الله .. ولا تأتمر بأمره .. كما قال تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ . يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ البقرة:175-276. وهذه الأزمة الاقتصادية المالية الحادة التي نزلت بالقوم .. إن لم تُسم محقاً .. فما يكون المحق إذاً؟!
وفي آية أخرى قد توعد الله تعالى أهل الربا .. الذين يصرون على أكل الربا .. بالحرب إن لم ينتهوا عن أكلهم الربا، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ البقرة:278-279. ولا شك أن هذا الانهيار الاقتصادي الذي كلف الرأسماليين المرابين مئات المليارات من الدولارات .. وزاد من نسبة البطالة في البلاد أضعافاً مضاعفة .. ولا تزال آثاره مستمرة .. هو من جملة الحرب الذي تضمنته معاني الآية الكريمة أعلاه .. والحرب لا تزال قائمة ومفتوحة مع المرابين ما داموا مصرين على أكلهم الربا ..  وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ المدّثر:31.[ ].
ومما حرمه الإسلام كذلك .. الميسر .. وكل كسب يأتي من حرام، أو عن طريق الغش والكذب والاحتيال .. والاحتكار .. والغُبن .. والسُّحت .. كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ المائدة:90-91.
وفي الحديث فقد صح عن النبي  أنه قال:" من غشَّنا فليس منا، والمكرُ والخداع في النار "[السلسلة الصحيحة:1058].
وقال :" إنَّ التجار هم الفجَّار "، قيل: يا رسولَ الله أوليسَ قد أحلَّ اللهُ البيعَ؟ قال:" بلى؛ ولكنهم يُحدّثون فيكذبون، ويحلفون فيأثمون "[ السلسلة الصحيحة:366].
وقال :" التاجر الأمين الصَّدوق المسلم: مع النبيين، والصديقين، والشُّهداء يومَ القيامَة "[السلسلة الصحيحة:3453].
وقال :" من احتكر حُكْرةً يُريدُ أن يُغلي بها على المسلمين فهو خاطئ "[السلسلة الصحيحة:3362].
وقال :" إن صاحب المَكْسِ في النار "[السلسلة الصحيحة:3405]. وصاحب المكس؛ هو الذي يسعى على تحصيل الضرائب من الناس بغير وجه حق، ولا سُلطان من الله.
وقال :" إن الله إذا حرَّم على قومٍ أكلَ شيءٍ حرَّمَ عليهم ثمنَه "[صحيح سنن أبي داود:2978].
وفيما يتعلق بأحكام الدَّين والتداين، قال تعالى في أكبر آية من آيات القرآن الكريم ـ التي أطلق عليها أهل العلم اسم آية الدَّين ـ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ البقرة:282.
تأملوا هذه الإلزامات .. والتفصيلات .. والقيود .. والشروط .. الواردة في الآية الكريمة أعلاه .. عند إجراء عملية الدَّين فقط؛ سواء كان الدَّين صغيراً أو كبيراً .. أترون بعد هذه القيود والشروط والإلزامات .. تقدر شركات السمسرة المحتالة أن تفعل ما فعلته في ظل الأنظمة الرأسمالية الغربية؟!
وغيرها كثير من النصوص الشرعية التي تتناول أحكام النظام الاقتصادي في الإسلام .. وعلى وجه التفصيل والتدقيق والتفريع .. ليس الغرض هنا استقصاءها أو الحديث عنها .. فهذا له مجلداته ومراجعه المتخصصة .. وإنما أردت أن أبين ـ ولو بصورة موجزة ـ أن الإسلام يملك الحل والبديل الأمثلين .. كما يملك التصور الشامل للمشاكل الاقتصادية وكيفية علاجها ـ بشرط أن تخضع لقانونه وسلطانه لا لقانون وسلطان غيره ـ والذي يختلف مع النظام الرأسمالي في كثير من جزئياته وتطبيقاته .. وتصوراته .. وليس كما يشيع العلمانيون والديمقراطيون .. والرأسماليون المتحاملون .. بأنه لا يوجد بديل عن الرأسمالية الغربية الحرة .. سوى الرأسمالية ذاتها .. وأن الإسلام لا يملك تصوراً عن الاقتصاد ومشاكله .. كما لا يملك حلاً لها!
وعليه، فاليعلم الجميع أن الباطل .. وإن علا صوته وصخبه .. وظهر له بريق مُزيف في مرحلة من المراحل .. إلا أنه لا ولن يدوم .. فهو إلى زوال وأُفول لا محالة .. وبوادر أفوله تُشير في الأفق القريب .. والبقاء للحق .. والكلمة الدائمة هي للحق .. والمستقبل للحق .. مهما حاول المبطلون أن يُشوشوا عليه .. أو أن يُلغوا فيه .. حتى لا تُسمَع كلمته القوية .. أو يُرى نوره .. وكما أن الاشتراكية قد أفَلَت من قبل .. وأفلت معها قيَمُها ومفاهيمها .. فإن الرأسمالية الحرة .. سيأفل نجمها .. وتأفل معها قيمها ومفاهيمها .. وينطفئ بريقها المُزيَّف .. ويبقى الإسلام شامخاً ثابتاً عزيزاً .. لأنه الحق .. لأنه دين الله .. لأنه كلمة الله في الأرض .. ولأنه يملك الحل الأمثل والشامل لمشاكل العالم كله .. لو خضعوا لسلطانه وقانونه .. وإن ذلك قادم ـ بإذن الله ـ لا محالة .. ولو بعد حين ..  فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ الرعد:17. يومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله، والله تعالى ينصر من يشاء، وقت يشاء.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

رد

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • رقم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق



دور أسس الاقتصاد الإسلامي

ما دور أسس الاقتصاد الإسلامي في الوقاية من الأزمات المالية والاقتصادية ؟